عبد الودود ولد الشيخ، العالم الاجتماع الموريتاني، والقامة الفكرية والفلسفية الباسقة، و روضة العطاء العلمي الضافية الأفياء، التي لاتنضب.. رجل أضاعه قومه، رغم أنه ممن يشار إليه بالبنان حيثما حل او ارتحل في اصقاع العالم..ناضل في بلاده رغم شح الظروف وظلم ذوي القربى على أن يجعل لـ "البحث العلمي" فيها نواة، ولكن نفسه الأبية عن الضيم وجدت في الأرض منأى لها عن بلاد يظلم فيها المواطن بسبب لونه او عرقه.
معه تكرع في جدول فكري رقراق لا ينضب.. ومعه تتجسد امامك قيم الحداثة والاستنارة الفكرية.. ومعه تستصغر الجبال أمام عظمة تواضعه وخلقه الكريم.
في هذه المقابلة التي اجرتها معه صحيفة تقدمي يستعرض الدكتور عبد الودود ولد الشيخ رؤيته انتروبولوجية، تطبعها الدقة والموضوعية، حول الفضاء الموريتاني بعلاقات وروابط مجتمع البيضان الداخلية "مجتمع السيبة"وممارساته المختلفة كالعبودية و العنصرية "التطهير العرقي في سنوات 1989"الارهاب الاسلامي"الجهادي"الربيع العربي.. "وواقع المراة "
البروفوسور الجامعي وعضو كوليج دي فرانس Collège de France "مختبر الانتروبولوجيا الاجتماعية" هو من يستعرض لنا في هذه المقابلة آرائه وأفكاره السهلة، الممتنعة.
فحول أسطورة الصراع المعروف بـ"حرب شرببه" الذي أسس لميلاد علاقات جديدة بين الزوايا وحسان يجيب عبد الودود ولد الشيخ بنسبية قائلا "هناك مجموعات كانت في الوقت ذاته تعد من "حسان" كما تعد من "الزوايا"، وكذلك يمكن أن يولد الفرد "حسانيا" ويصبح فيما بعد "زاويا" (جراء التوبة أو الهجرة)، كما يمكن أن يولد "حسانيا" ويصبح "لحميا" أو يولد "لحميا" ويكتسب مكانة "الحساني" ، الخ. كما أن الانتساب لـ"العرب" أو "البربر" أو "السود" لم يكن يلعب دورا حاسما في المسألة، فهناك "حسانيون" ينسبون لصنهاجة، وزوايا ينتسبون لبني حسان و لحمه ينسبون لهذا الأصل تارة ولذاك تارة أخرى، وما إلى ذلك.
ويضيف عبد الودود ولد الشيخ أن"إن علاج الآثار النفسية والاجتماعية للعبودية (العنصرية والاحتقار والاستبعاد من الزواج، الخ.) غير ممكنة فيما يبدو لي قبل فترة (جد) طويلة، ما لم تأت الظروف بثورة اجتماعية. ومع ذلك فإن جملة من الأنشطة الاقتصادية الخاصة والموجهة نحو ترقية تلك الفئة (تنفيذ إصلاح عقاري حقيقي وآليات قرض محددة، الخ.) يمكن أن تساعد على التقليل من الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الحراطين، ومن ثم تخفيف التوترات التي تولدها هذه الصعوبات أو التي يمكن أن تولدها في المستقبل".
وحول سؤال الهوية الوطنية وخاصة جانبه المتعلق بالتعايش بين مكونات المجتمع الموريتاني يتطرق ولد الشيخ للعلاقات التاريخية بين المجتمعات التي عمرت الفضاء الموريتاني قائلا"لم أعثر، في أي من الوثائق التاريخية التي قدر لي أن أطالعها، على نزاع أو حرب على أسس عرقية بشكل صريح
"وبعودتنا إلى العصر الحديث يرى الانتروبولوجي انه مرغم على ملاحظة أنه خلال "احداث"نهاية الثمانينات :سنلاحظ بداية لتطهير عرقي إداري بمختلف أشكاله: تسفير جماعي لمواطنين موريتانيين من قومية الزنوج، والقيام باعمال تصفية خارج القانون تمس بصفة خاصة المنخرطين منهم في صفوف الجيش.
وحول مجمل هذه المواضيع وغيرها وعلى الرغم من صفته الدولية ومكانته العلمية يتحدث عبد الودود ولد الشيخ بالكثير من التواضع والبساطة مذكرا أكثر من مرة ب"وضعيته كمنفي خارج الوطن" وابتعاده عن الساحة السياسية الموريتانية بما يترتب عليه خطر التشويه الناجم عن كونه "نتاجا للثقافة الاستعمارية الفرنسية"
مرة اخرى هذه المقابلة تلقى الضوء بصفة نقدية وموثقة على العديد من القضايا التي تعيشها الساحة السياسية الموريتانية الحالية
نص الحوار:
اجرى الحوار: حنفي/ عباس
عبد الودود ولد الشيخ، هلا حدثتنا عن البيئة التي نشأت فيها؟
أنا مولود تحت خيمة، غير بعيد من بئر الميمون القبلي الرعوية ، حوالي سبعين كيلومترا شمالي بوتلميت، في عائلة من البدو الرحل شبه المستقرين، أقرب إلى الفقر منها إلى الغنى، تنتمي إلى طبقة الزوايا التقليدية. وكانت قيم هذا الوسط، المرتبطة ارتباطا قويا بروح انتماء طبقي يستمد مشروعيته من النسب، تسيطر عليها التقوى الإسلامية والمكانة المميزة التي يحظى بها طلب المعارف التقليدية العربية والإسلامية في نسختها المحلية. وكانت تراتبيات الطبقة الاجتماعية و السن والجنس تفرض عليها سلوكا صارما يمليه ذلك النوع الخاص من الحياء الذي كان يدعى السحوة. ولو أن الأمور أخذت "مجراها التقليدي"، لكان علي أن أتعلم رعاية المواشي وحفظ أهم نصوص المناهج الدراسية التقليدية: القرآن والأخضري وابن عاشر والألفية وخليل، الخ. لكن مهاراتي كراع متدرب كانت متواضعة شيئا ما (أذكر أنني أضعت مرة واحدا من "المراكيب" أي أحد الجمال يتخذ كمطية كنت أرعاه…). ولكن قربى النسب والجوار مع بعض الأوساط المقربة من الإدارة، إلى جانب الآثار الاقتصادية الكارثية لأزمة بداية الأربعينات من القرن الماضي، دفعت بعض أفراد أسرتي للانضمام إلى المدرسة الاستعمارية في بوتلميت، ثم جاء دوري لأدخل تلك المدرسة في سن مبكرة نسبيا قبل أن أبدأ بجدية – للأسف – تكوين" ولد الزوايا" التعليمي، كما كان يقال حينها.
قبل سنوات، استقلت من عملك كمدير للمعهد الموريتاني للبحث العلمي. ماذا لو أخبرتنا عن الأسباب التي أدت إلى تلك الاستقالة، وبوجه عام عن الصعوبات التي يواجهها البحث العلمي في موريتانيا، فضلا عن اقتراحاتك لتحسين هذه الأوضاع؟
بعد عودتي من الدراسة في الخارج عام 1978، تم اكتتابي في المعهد الموريتاني للبحث العلمي كباحث، ورفضت عدة مرات العرض المقدم لي لإدارة هذه المؤسسة، وذلك نتيجة شكي في إمكانية توافق صلابتي البيروقراطية "الأجنبية" الساذجة مع الممارسات الإدارية التي كانت تبدو مؤسسة على نوع من البيعة للقائد الأعلى في ذلك الوقت، مفاصلها شبكات قبلية وزبونية، لم تكن لدي شخصيا أي رغبة - ولا قدرة – في السعي إلى حشدها. ومع ذلك فإن إدارة بعض أسلافي، التي أفضل وصفها على سبيل اللباقة بـ"المشكوك فيها" ، أقنعتني بضرورة تحمل عبء تسيير المعهد وهو يحتضر. على الأقل من أجل الحفاظ على ميولي الشخصية للبحث. وعلى الرغم من كون الوسائل المادية و خصوصا البشرية لهذه المؤسسة جد محدودة، فقد كنت مع ذلك أعتقد أنه من الممكن أن نحاول "الحصول منها على شيء ما". وتمكنت من ضم المتحف الوطني إليها، وكانت نتائج حفريات المعهد الأثرية الخاصة بما قبل التاريخ تغذي صالات عرض المتحف. وكنت أفكر في ذلك الوقت في القيام بعملية تجديد جوهرية لقاعات العرض بدعم من صديقة وزميلة ـ رحلت عن هذه الدنيا للأسف ـ هي دنيز روبرت، والتي كانت المهندس الرئيسي للمتحف وإحدى دعائم الحفريات الأثرية التي نفذت منذ عام 1960 في تاكداوست. كما بدا لي أن مجال النشر كان كذلك سانحا لبعض المبادرات التصحيحية، فأخذت على عاتقي بصورة خاصة، وبمساعدة من الباحثين في المؤسسة وزملاء آخرين، أن أبعث النشرة السنوية للمعهد من سباتها الذي دام عدة سنوات. وصدر عدد جديد من هذه النشرة بلغتين من المطبعة الجديدة تحت اسم جديد هو الوسيط، وبدا لي مستواه العلمي مقبولا، لكن صدوره تزامن مع "أحداث" 1989. كان ذلك العدد من الوسيط يحمل الرقم 3، ومن بين محتوياته مقال ليحي ولد البراء بعنوان التبعية عند الفقهاء الموريتانيين، وقفة تأمل (ص 122 - 145من جزئه العربي) تناول ـ من بين أمور أخرى ـ معالجة بعض الفقهاء المحليين في القرون الماضية لمسائل ذات صلة بالرق. موضوع محظور! قررت "السلطات العليا" بعد أن أبلغها أحد المتعاونين " اليقظين" عدم نشر هذا العدد من الوسيط. وفي ذات الوقت بدأت الوزارة الوصية تمارس الضغوط بغية "تحويل" موظفين بولار من المعهد إلى الإدارة المركزية من أجل أن يفقدوا وظائفهم في إطار بداية التطهير العرقي داخل الإدارة الذي بدأته آنذاك حكومة السيد معاوية ولد الطايع. هكذا استقلت من المعهد الموريتاني للبحث العلمي رفضا للاستسلام لهذه الضغوط، واحتجاجا على مصادرة مجلة كلفت الكثير من الجهد والموارد.
إن هذه الحادثة الشخصية المؤسفة، رغم محدوديتها، تدل على أن مسألة حرية الفكر والتعبير تشكل واحدا من أهم مفاتيح البحث في موريتانيا، لكن هناك بالطبع قبل كل شيء، مسألة وسائل البحث المادية والبشرية، فمكانة الباحثين وطبيعة الصلات مع التعليم الجامعي، والموارد المالية، هي جزء، فيما أعتقد، من القضايا الرئيسية التي يتوجب علاجها إذا ما أردنا النهوض بهذا البحث.
- خارج الدوائر الأكاديمية، عرفت بقراءتك لحرب "شرببه"، فهي بالنسبة لك لم تكن صدام مصالح بقدر ما كانت حربا أخلاقية بين الإسلام "التشمشي" وقيم أخرى بعيدة عن قيم حسان، هلا شرحت وجهة نظرك للقارئ غير المتخصص؟
بالفعل قدمت أطروحة سنة 1985 خصصت جزءا كبيرا منها للحرب المعروفة بـ "شرببه".او شرببه إن المواجهات المرتبطة بهذا الصراع في النصف الثاني من القرن 17 والذي لا يزال تسلسل أحداثها غير معروف بدقة، تُقدم في أغلب الأحيان، كما تعلم، على أنها نقطة الانطلاق أو أحد الأسس الرئيسية لتحقيق استقرار التعارض بين وضع الزوايا / حسان في جزء كبير من مجتمع البيظان، وتحديدا في منطقة الـﭬبلة "التشمشية" كما تقولون: حُظر حمل السلاح على المنهزمين، ثلث الماء، الضيافة، وصًل، الخ. وبعد محاولة تلخيص ما هو معروف من هذه الأحداث حسبما يعتقد، ركزت بالفعل في التصور الذي وضعته عنها، على دلالتها الثقافية والإيديولوجية في سياق ما أسميته "صراع التصنيف" بين القيم الدينية المرابطية وقيم المحاربين. واستوحيت من ابن خلدون ونظريته حول العصبية البدوية التي تمثل، على حد سواء، نواة الدولة ونقيضها، فحاولت أن أبين أنه إذا كانت أولى الإمارات، أي إمارة اترارزه، ظهرت عقب هذه الحرب فذلك إلى حد ما لأنها تجسد بداية توليف هذه القيم المتعارضة، قيمة العصبية "النقية" الانقسامية وقيم الإسلام، وهي بمثابة وعد بـ"تجاوز" (بالمعنى المقصود بفكرةAufhebung عند هيغل)،العداوات القبلية المحضة نحو إقامة نواة دولة. وعمد المغلوبون، الذين أضحوا متخصصين (ايديولوجيا) في ما أسميته "إدارة الغيب"، إلى فرض أو محاولة فرض هيمنة القيم الدينية التي يفترض أنهم سدنتها على "حسان" الذين يسيطرون على مقاليد الأمور السياسية، وذلك بفضل التازبه والكرامه والشفاعة، الخ. وكذلك بفضل الانتقاء بعد الوفاة (خاصة عن طريق المراثي مثل مرثية ولد رازكه لأعمر آكجيل…) لحسان "الجيدين" الذين قضوا، كما لو أنهم يريدون أن يقولوا للبقية "افعلوا مثلهم إن كنتم تريدون أن يكون لكم مصير مقبول في الآخرة! "
وكل هذه القضية كانت تبدو لي حينئذ، جزئيا على الأقل، غير بعيدة تماما عن نموذج ابن خلدون الذي يقول، كما تذكر: "إن العرب (يقصد البداة) لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوءة أو ولاية أو اثر عظيم من الدين على الجملة …". ومن الواضح أن هذه الاعتبارات لا تمثل أكثر من إنارة خاصة لأحداث شرببه، كما أفضل أن أسميها مع محمد المختار ولد السعد، وهي أحداث متصلة بمجموعة من العوامل الأخرى (البيئية والديموغرافية والاقتصادية، الخ. )، والتي لا يزال، علاوة على ذلك، يكتنفها الغموض إلى حد كبير.
- ألا تعتقد أن الصدام بين القيم كان موجودا بين صنهاجه، وذلك قبل وصول حسان؟ كما أن ملاحظات ابن بطوطة في ولاته في القرن 14 توحي بوجود مجتمع أولى أن يوصف بالليبرالي، خاصة فيما يتعلق بمسألة الأخلاق، وهو ما تسبب في إرباك الرحالة. ولكن مع ذلك كان هناك إسلام آخر أكثر صرامة في الشمال حيث كانت نواة تشمشه في آدرار، قبل هجرة أمغار الديماني إلى الـﭭبله.
أنت محق في إثارة مسألة أسبقية تشكيلة مجتمع بيظان ما قبل الاستعمار بـ"حسانه " و"زواياه" و"لحمته"، بالنسبة لهذا المفصل التاريخي الذي يفترض أن تمثله شرببه. وفي الواقع كان ابن بطوطة لاحظ بانفعال أن نساء مسوفة إيولاتن - كما يسميهم - لم يكن لهن نفس وضع النساء "المسلمات حقا" في طنجة، مسقط رأسه. ولكن المسألة ربما لم تكن مسألة درجة "الليبرالية" أو "الهوية الإسلامية" بقدر ما هي مسألة نوع من أصناف القرابة. ويوصف مسوفه (اسم رأى فيه بابه ولد الشيخ سيديا والمختار ولد حامدن تشابها مع مشظوف المعاصرين عندنا…)، على غرار الطوارق المعاصرين، بأن لهم نظام قرابة ذا منحى أمومي خطي قوي (المنزلة وأهم الميراث كانا ينتقلان عن طريق الأمهات). وفيما يبدو لي فإن الأسلمة الثقافية لمجتمع البيظان، التي ظلت جد متفاوتة حتى اليوم، تطلبت عدة قرون، كما أن الطرق الصوفية، التي أصبحت مؤثرة لاسيما ابتداء من القرن 18، لعبت فيها دورا هاما. لقد أشرت في تعليقي على رسالة موجهة في شوال 898 / يوليو–أغسطس 1493 من المدعو محمد ب. محمد ب. علي اللمتوني إلى المؤلف المصري الشهير السيوطي، والتي أعاد هذا الأخير نشرها في الحاوي للفتاوي، أن هذه الرسالة توحي بأن ظهور تركيبة مجتمع البيظان الثلاثية المكونة من حسان وزوايا ولحمه ربما قد لا يكون انتظر وصول بني حسان، على الأقل إذا ما تأكدت الفرضية التي وضعتها عن المصدر الولاتي لرسالة اللمتوني. وهذا ليس رأي اثنين من أبرز المستعربين الإنجليز – جون هانويك (John Hunwick) وهاري ت. نوريس (Harry T. Norris)– اللذين يريان أن مخاطب السيوطي أولى أن يكون من نواحي اكادز ( Agadez)… ويبدو لي الجدل حول المصدر الصحيح لخطاب اللمتوني من الأهمية بمكان، لأن هذا النص يمثل، على حد علمي، أول شهادة يكتبها أحد السكان المحليين حول الهياكل الاجتماعية لصنهاجة غرب الصحراء…
- ألا يمكن العثور على مصدر هذه المواجهة قبل وصول حسان، على أسس مادية واجتماعية؟ فعلى سبيل المثال، أيام إمارتي ابدوكل و إنيرزيك، كان هناك في المدن الصغيرة نوعين ممن سيصبحون فيما بعد الزوايا، وخصوصا من بين التجار والقوافل التي كانت تعرف بداية تعليم ديني، قبل التقري مع إقامة "الرباطات" الأولى. ألا يمكن أن نعتبر هذا بمثابة بداية الانقسام الثقافي، مقابل الذي عرفه "الإمام آلمجذوب" في آدرار؟
مع قدوم التجار المسلمين أو "الدعاة" إلى المنطقة، أي على أقل تقدير منذ القرن الثامن تم وضع أسس المواجهة بين المسلمين الفاتحين والسكان المحليين حديثي الإسلام أو غير المسلمين على الإطلاق، في حين لم توجد، على حد علمي، حركات أسلمة أو إعادة أسلمة منظمة عسكريا ومعتبرة، غير حركتي المرابطين وناصر الدين.
ومع ذلك استطاعت الأسباب التي أدت إلى ميلاد هذه الحركات أن تغذي، ولا تزال تغذي، منافسات أضيق نطاقا وأقل تأثيرا. واستطاعت الخصومات التجارية والمنافسات الإقليمية وصراعات العصبيات في بعض الأحيان أن تأخذ صبغة دينية. ولا أعتقد بوجود "إمارة ابدوكل" أو "إمارة إنيرزيك ". الشيخ سيدي محمد هو الذي نسب ـ في الرسالة الغلاوية ـ لابدوكل امبراطورية في المناطق الصحراوية حيث كان بنو حسان قد شرعوا في بسط هيمنتهم، جاء ذلك في سياق رواية "مؤسسة" تهدف إلى إضفاء الشرعية على السلطة الخارقة لأسلافه، ولست متأكدا من أنه يمكن اعتبارها معطيات تاريخية بالمعنى الدقيق للكلمة. أما فيما يعني إنيرزيك ، فقد ورد ذكرها بالتأكيد باعتبارها جماعة قبلية مؤثرة قبل شرببه في جنوب غرب موريتانيا الحالي، لكن من غير المرجح إلى حد بعيد أن تكون أقامت شكلا من أشكال الحكم غير الذي أقامته القبائل المحيطة بها. وباختصار، إذا كنت قد فهمت مغزى سؤالك، فإن التعارض بين المحاربين والمرابطين كان على الأرجح قائما قبل حركة ناصر الدين وقبل معاصره الأقل منه نفوذا بكثير المجذوب، المدان مثله بنفس الشدة من قبل الطالب محمد ولد المختار ولد بلعمش، أهم فقيه سني في صحراء البيظان آنذاك.
- كثير من الناس يتبني النموذج الذي وصفت في إحدى كتاباتك بـ "نموذج اليدالي" والذي ينقسم فيه المجتمع إلى ثلاث فئات هي: رجال الدين (الزوايا) والمحاربون (حسان) والعبيد أو الأتباع. وبفضلك أنت وبفضل مؤلفين آخرين نعرف اليوم أن هذا النموذج يفتقر إلى الدقة. هل الأمر، حسبما تعتقد، يتعلق بهوية أنشأها المستعمر من خلال من كانوا ينظرون له مثل بوليى (Poulet) وإسماعيل هامت (Ismail Hamet) ولارتيغ (Lartig)؟ وإلى أي حد مكن هذا النموذج من ترسيخها؟
عذرا، لكنني لا أذكر أنني استخدمت مصطلح "نموذج اليدالي" . ومهما يكن، فإن الإيديولوجية التنظيمية التي تحكم تحديد "أصل" ووظائف "الفئات" الرئيسية الثلاث التي كان يتكون منها مجتمع بيظان ما قبل الاستعمار (حسان، الزوايا ، اللحمه) كان لها ـ بالطبع ـ بعد أدائي. لقد كانت تسعى إلى خلق هذه المجموعات بقدر ما كانت تسعى إلى التأكد من وجودها. وتاريخ هذه المجموعات يبين بالفعل أن تركيبتها كانت تشهد تحولات كبيرة، خلافا لفكرة "المولد" الجامدة التي تحدد مكانة كل واحدة منها في المجتمع، حيث هناك مجموعات كانت في الوقت ذاته تعد من "حسان" كما تعد من "الزوايا"، وكذلك يمكن أن يولد الفرد "حسانيا" ويصبح فيما بعد "زاويا" (جراء التوبة أو الهجرة)، كما يمكن أن يولد "حسانيا" ويصبح "لحميا" أو يولد "لحميا" ويكتسب مكانة "الحساني" ، الخ. كما أن الانتساب لـ"العرب" أو "البربر" أو "السود" لم يكن يلعب دورا حاسما في المسألة، فهناك "حسانيون" ينسبون لصنهاجة، وزوايا ينتسبون لبني حسان و لحمه ينسبون لهذا الأصل تارة ولذاك تارة أخرى، وما إلى ذلك. كما أن ادعاء الانتساب للعرب أو حتى الشرف وانتشاره على نطاق واسع ليس وليد اليوم، رغم أن تحرير سوق الأنساب فيما بعد الاستعمار أعطى دفعا قويا لهذا النوع من الادعاءات، وذلك في سياق لا أحد تقريبا يريد فيه أن ينسب لأصول بربرية…
ومما لا شك فيه أن الاستعمار استفاد من هذه الانقسامات، لكنني لا أعتقد أنه يمكن القول باختراعه لها، بل بمعنى ما، أدخل مع مدرسته ومع الفجوة الهرمية السحيقة التي تفصل جميع "السكان الأصليين" من جهة عن كل السادة المستعمرين من جهة أخرى، بذرة مساواة في الخضوع وفي الإزالة التدريجية للحدود بين مختلف "الفئات" (و هو ما تأسف عليه بالطبع"النبلاء" بمرارة ).
إذا كانت الحدود بين المحاربين والزوايا ضئيلة إلى هذا الحد، نظرا لأنها تتحرك دونما توقف نتيجة للزيجات "المختلطة" والمصاهرات و"التياب"، فإن الفصل بينهم يصبح من المستحيل تقريبا. كيف تعلل ذلك؟
على الرغم من تحوليتها التاريخية التي لا يمكن إنكارها، برهنت فئات المجتمع التقليدي الجامدة، والتي تشبه أحيانا بالطبقات الشعبية الهندية بسبب الشيوع النسبي داخلها لزواج الأقارب او بالتحديد فوق الكفوئ بالنسبة للنساء (hypergamie féminine[1]) وبسبب ميولها للتخصص المهني، برهنت حتى الآن على مقاومة باهرة. و يبدو الأمر كما لو كانت هناك مربعات فارغة، تجريدات، يريد الأفراد أو يشعروا بالارتباط بها، وإن كان، في الممارسة اليومية، تم محو الكثير من الصفات الملموسة لهذه الفئات. وفي الوقت الراهن أدى التحضر الواسع النطاق والتحولات في أنماط الحياة إلى تغيير جذري للأسس التي كانت تقوم عليها المنزلة التقليدية لكل فئة، وهي رغم ذلك أبعد ما تكون عن الاختفاء من المشهد. لقد أخذت م
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ